- العلم والوعي والديمقراطية / عبدالناصر بن محمدالمصطفى | أغشوركيت

- العلم والوعي والديمقراطية / عبدالناصر بن محمدالمصطفى

ثلاثاء, 14/03/2017 - 10:02
الأستاذ عبدالناصر ولد محمدالمصطفى

لقد بدأت قصة خلق الإنسان بالتعلم ؛ فلحكمة علم الله آدم الأسماء كلها ، إذ بالعلم يعرف الله و يعبد و يخشى ، وهو - لغة - ضد الجهل ، فنقول : علم يعلم علما إذا درى و أدرك و عرف ، أما اصطﻻحا فيعني - حسب ابن القيم - نقل صورة العلوم من الخارج وإثباتها في النفس عكسا للعمل الذي هو نقل صورة علمية من النفس وإثياتها في الخارج ، فالعلم والعمل - بهذا المعنى - يجب أن يكونا صنوين متﻻزمين حتى نحصل على النتيجة المتوخاة من كليهما ، وإذا كان العلم يؤدي إلى إدراك الأشياء ، و إدراك الأشياء يؤدي إلى الوعي بها ، فما الوعي وما دوره ؟
الوعي ضد الغيبوبة ، وهو - لغة - مصدر من الفعل وعى إذا انتبه من نومه أو غيبوبته ، أما اصطﻻحا فهو : استيعاب المرء للشيء و شعوره به على حقيقته ، وهذا الوعي ﻻ يمكن أن يحصل بدون العلم و المعرفة ؛ فبهما يتبين المرء ما له وما عليه حتى يتصرف بتفهم و مسؤولية ، فهل من عﻻقة - إذن - بين الوعي و الديمقراطية ؟
إن مفهوم الديمقراطية ﻻ يقتصر - البتة - على التمتع بالحقوق ، بل يتجاوزها إلى القيام يالواجبات حتى يتم التوازن والانسجام بين المتعايشين ، والعامل الأساس في هذا التعايش السلمي البناء هو الوعي الذي يجب أن يربى عليه المواطن حتى يبتعد عن خطيئة الأنانية فتصبح نظرته آخذة بعين الاعتبار مصلحته الخاصة ، و لكنها آخذة و مقدرة - في نفس الوقت - المصلحة العامة للمجتمع ، فالديمفراطية ﻻ تكون نظاما فاضﻻ إﻻ إذا كانت وسطا بين طرفين متناقضين ؛ فﻻ تستقيم الديمقراطية - والحالة هذه - إﻻ إذا تعادل في ذهنية الفرد ما يراه حقا له مع ما هو واجب عليه ، فنحن شركاء و أعضاء في جماعات و رابطات مختلفة تبدأ بالأسرة وتنتهي بالدولة أو الأمة ، وفي كل هذه التجمعات ينبغي اتخاذ القرارات لصالح الكل حتى تتصف تلك القرارات بسمة " الجماعية " ؛ فالديمقراطية - من هذه الزاوية - تحرص على مصلحة الفرد ضمن مصالح المجتمع والدولة ، مما يدل على أنها - عموما - مسألة تتعلق بمدى التمكن من تحقيق مبدأي الرقابة الشعبية و المساواة السياسية ، وانطﻻقا من هذين المبدأين فإن تسلح الشعب بكل من العلم و الوعي سيظل حزام الأمان لأي ديمقراطية حقيقية ، وإذا ما أردنا تجسيدها على الواقع لكي يحكم الشعب - كما قال اليونان - نفسه بنفسه - كان لزاما علينا أن نبحث عن المكونات الستة الرئيسة التالية :
- مجتمع مدني متعلم و واع بما له وما عليه .
- حقوق اقتصادية و مدنية و سياسية .
- حكومة وطنية منفتحة و نزيهة .
- معارضة وطنية نشطة و متفهمة .
- انتخابات حرة و نزيهة و عادلة .
- جيش وطني مهني ﻻ يتدخل في الشؤون السياسية .

وفي الأخير ، فإنه بقدرما يوجد فينا من علم و وعي بقدرما نتمكن من خلق الديمقراطية الحقة ، ولهذا ، فمن غير المعقول أو المنتظر أن يحصل أي شعب - مهما كان - على ديمقراطية ناجحة و سليمة قبل أن يقضي على ما فيه من جهل و فقر و تخلف ؛ وفي انتظار تحقيق ذلك ، تبقى أزمة الديمقراطية يتقاسمها طرفا السلطة و الشعب ، وكل منهما مطالب بمشاركة الآخر حل مشاكله و تأهيل نفسه حتى يجني الجميع ثمار الديمقراطية التي ترعى المصلحة العامة و تعزز الدولة و تسمو بها إلى الرقي والازدهار .

♡♡♡

بقلم : عبد الناصر بن محمد المصطفى