جابجولة : الطبيعة والجمال يلوكهما التهميش والنسيان ! ( قراءة في الواقع ) / محمدالمصطفى الولي

اثنين, 02/05/2018 - 21:18
الكاتب الصحفي : محمدالمصطفى الولي

أغشوركيت ( مقالات كتاب المقاطعة ) : على بعد ثلاثين كلم شرق بلدية شكار التابعة لولاية لبراكنة وسط البلاد ، تقع منطقة لها ماض عريق ، طالما ترددت به الألسن على تجاعيد وهاد ( آفطوط ) القاحلة ، وبكتها واستبكتها حمائم الكلمة في دعة شعرية لايغشى صفوها ندم .... وقوفا على تضاريس صخرية صامتة في هدوء صحراء ولاية لبراكنة الشاسعة ، باتجاه الشمال في عدوة الغاب المنعزلة تنوم التلال شامخة وخيام " لفريگ " مضروبة بمدرجة طريق مامن سالك سبيل القرى إلا واردها على عجل .

من هنا ! وعلى صفحة امتداد واد " كتي " إلى جهة الشمال بدأت حكاية استنبتها الزمان بلا مضو من عدم ألا مبالات وجعلها تنمو وتنقب عن أشلاء زمن لم يبق من فتاته الرميم سوى قاموسية المكان المختلف في دلالتها التاريخية حسب روايات الكبار وقصصهم الشعبية المتضاربة هل هي : " وادي النبق " ؟ أم هي قفص من وكناة الطير تأوي إليه عند عودتها من رحلة التحصيل ؟ أم أنها — وهذا الأرجح عندي — جمل من لغة إحدى المكونات الشرائحية الموريتانية تداخلت كلمة سرها بتباين في تلون دارجية لهجاتنا المتناثرة فوق جرداء جامحة الإنصهار ومتشابكة " الفيسفساء " كلما انبعثت البسمة من جفن الحياة .

جابجولة — أوجا بالخير — كما يحلو للقوم تسميته اليوم قصة لانتناولها في هذا المقال من ناحيتها التاريخية الضاربة في عمق التاريخ منذ القدم ، ولا أنها معلمة من معالم الجغرافيا التي تحتل جزء من مساحة " المنكب البرزخي " ..... تنوعت تضاريسها وتشكلت فيها الطبيعة بركنيها البيولوجي والطبيعي .....

إنما نرسم بهذه السطور " القارئة " خارطة أوجاع مأساوية تعيشها قرية من بين أعماق — موريتانيا — الواقع المؤسف والألم المعاش ، بها سكان لايقدرون في أغلب الفصول على مغادرة أرضهم هربا من الجحيم ، غيبتهم العزلة عن جادة طريق — شگار — مال — الواقع منهم على بعد أقل من 10 كلم ، وحرمتهم الدولة الموريتانية كافة حقوقهم الطبيعية والبسيطة ، تراءيهم الأنظمة ولاتذكرهم ، لم يعرفو منظمة خيرية ولا اجتماعية ولاحقوقية دولية رغم كل ماترفعه الحكومة من شعارات لمكافحة الفقر وفك العزلة ومحاربة الرق في الأرياف الأكثر هشاشة والأقل حظا من التعليم والأحوج إلى أدنى مشاريع البنية التحية ..

بالرغم من كل هذه الشعارات الفضفاضة والرطانات الرنانة فماتزال هناك مناطق لم تزرها القطاعات الوزارية الوصية ولم تتعهدها بالرعاية ، ومن ضمن تلك المناطق قرية " جابجولة " التي تعد واجهة بلدية شكار السياسية والرعوية والزراعية ... فبها خزان انتخابي يتجاوز عدد ناخبيه ثلاث مائة صوت ، ويعرف هذا المكتب على مستوى لوائح البلدية بالمكتب المدلل ، إذ أنه منذ تأسيسه وهو مكتب حكومي " ولائي " بامتياز .

كما يوجد بها أكبر سد زراعي دشنه الوزير الأول السابق الدبلوماسي : سيد محمد ولد ببكر في عهد حكومته 1996 وتبلغ مساحته الإجمالية 8 كلم ، ويتسع لاستصلاح آلاف الهكتارات من الزراعة المروية ... إضافة إلى ثروتها الغنية بكل أنواع الحيوانات المتضررة هذه السنة بالنقص الحاد في الأمطار الموسمية التي تنذر بموجة جفاف ستتسبب في خسائر كبيرة للمنمين اللذين أرغبتهم على البحث عن حلول بديلة مع ارتفاع جنوني للأعلاف والهبوط المتزايد في أسعار المواشي وغياب خطة رسمية ناجعة للوقوف مع هؤلاء المواطنين اللذين ارتبط مصيرهم بنجاة ثروتهم الحيوانية المهددة بالإنقراض .

فضلا عن جمال الطبيعة وتنوع التضاريس ومحاضن المياه وكثرة الأشجار إلى غير ذالك من معطيات تشكل جوا سياحيا يغري بالراحة والإستمتاع بكل مقاييس الحياة الطبيعية ، لولا أنها الطبيعة والجمال يلوكهما التهميش والنسيان في برنامج تضييع استغلال المقدرات التنموية وعدم القضاء على المخلفات البيئية والرعوية والزاعية المسيطرة على الوسط البيئي غير المحصن في هذه المنطقة بالسبل الكفيلة والوسائل اللوجستيكية من أجل المحافظة على عدة عوامل تزخر بها المنطقة ، منها الموقع الجغرافي الإستيراتيجي الذي جعلها تتربع على رقعة ترابية لها مقدراتها وفرصها ومواردها الهائلة التي كان بإمكانها أن تخلق فرص عمل لمواطنين يعتمدون في مداخيلهم المعيشية على الأنشطة الفلاحية بشقيها الرعوي والزراعي ، كما أنها ستساهم — إن استغلت — في الرفع من مستوى أهم نشاط اقتصادي يستوعب شريحة عريضة من سكان " المنتبذ القصي " اللذين تتجاوز نسبة المنشغلين منهم بالقطاع 53% من قواهم العاملة ، لكن مادامت الدولة تنتهج سياسة التهميش " المناطقي " وتتخلى عن دعم الأراضي الخصبة التي تصلح لكل أنواع الزراعة المطرية والفيضية فإنها لن تطور من دورتها الإقتصادية في شتى مجالات التنمية التي لاتبدو استدامتها في المنظور المستقبل القريب .

مع أنها— للأسف — لم تحقق اكتفاءها الذاتي في مجال الحبوب نتيجة ضعف الآليات المتبعة في الدعم والرعاية الازمين لقطاع لايجد العاملون فيه أية أدوات ولوبدائية أوتقليدية ... حيث لاجرارات ولاوسائل حماية تحد من انتشار الآفات الزراعية في ظل أزمات يعانق عواصفها المزارع كلما اتسعت فيضانات التصحر وألقت نضوبة المطر بظلالها ، وافتقر الفلاحون إلى التأطير من أجل الحفاظ على لوحة من الروعة والجمال . فمتى ستفك العزلة عن هؤلاء المواطنين وتجد الأرياف والمناطق الزراعية والرعوية والتنموية حظها من العناية والإستثمار في صالح مواطنيها القابعين في زاوية التهميش والنسيان ؟؟