سيد آمين ..... مرَّ وهذا الأثـــر ! | أغشوركيت

سيد آمين ..... مرَّ وهذا الأثـــر !

أربعاء, 21/02/2018 - 18:31

أغشوركيت ( مقالات كتاب البلدية ) : في البدءِ..لستُ من هواةِ الكتابة عن الأشخاصِ سواءً كانوا أحياء أو أمواتا،أحرى أن يكون أولئك الأشخاص سِياسِيُّون وفاعلون في المجال العام،ومَرَدُّ امتناعي ذلك عائدٌ إلى سببين اثنين لمّا يجِدا بعدُ ثالثا يتعزّزا به، فالكتابةُ عن الأحياء ملغومةُ بشُبه القرابة والمجاملة والنَّفعية السياسية في مجتمعٍ يُطْمِرُ الحديث المأثور: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" ولا يعترف بجميل الخيِّرين إلا بعد أن يحْثُوِ على أجسادهم التّراب! ذلكم عن السبب الأول،أما الدّافع الثاني الذي يمنعني من الكتابة عن هؤلاء الأشخاص وهم خارج عالم الشهادة فهو الخشية من الغلو في المدح والثناء والدخول في متاهات "شُكر الميِّت" وتعسّف ذكر الخصال الحميدة حتى ولو كانت مفقودة أو منعدمة...!
هذه المرّة وأمام الفاجعة الوطنية والإقليمية المتمثّلة في رحيل المغفور له بإذن الله سيدآمين ولد أحمد شللَّ ينزاح ذانك السَّببان العتيدان وتُكسر تلك القاعدة الحصينة،فلا أنا هنا أكتب عن "الدّامين" بمنطق القرابة ولا أنا متعسّفٌ في حصر خصال معيّنة لا توجد في الفقيد...وللقارئ أن يَحْكُم.
أبدأ مع المرحوم سيدآمين من حيث انتهى ــ عفوا..لم ينتَهِ سيدآمين..فــ"الذِّكر للإنسان عمْرٌ ثانٍ" كما يقول أمير الشعراء شوقي ــ ، فنهاياتُ الرِّجال هي التي تُعطي صُوراً أكثر شفافيةً ووضوحاً عن حياتهم ومآثرهم وسِيَرهم الذاتية،وهنا مع هذه البداية ـ النهاية أتذكر مقولة شهيرة للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه،فقد روى الدّارقطني بسند صحيح قال: سمعتُ أبا عليّ الصّوّاف يقول: سمعتُ عبدَ الله بنَ أحمد يقول: " قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز.
إنّ من شهِد حضور الصلاة على الفقيد بساحة ابن عباس في تلك الليلة الماطرة حُزنا ورأى تلك الأعينَ التي اغرورقت دموعا والألسنةَ التي اختلفت نُطقا سيلمسُ شيئا من ذلك المعنى الوارد في قصة الإمام أحمد..ولو في سياق مغاير لسياق أهل البدعة:
فالنّاس أكيسُ من أن يمدحوا رجلا .. حتى يروا عنــده آثــارَ إحســـان
كانت موريتانيا بمختلف ألوانها ومشاربها الفكرية حاضرةً تلك الليلة لتُودّع ابنا من أبنائها الذين تجسَّد فيهم الوطن بمختلف فسيفسائه،وفي ذلك ما فيه من معاني الأخوة والانسجام وتَجاوُزِ الأطروحات الضيقة التي كسرها المرحوم وتحدّاها ليس وطنيّا فحسب بل إقليميا أيضا،لقد تفاجأت شخصيا ـ وربّما غيري كذلك ـ من حضور وفود أجنبية عالية المستوى لتقديم العزاء لأسرة الفقيد...
أجل، كان سيدآمين ـ رحمه الله ـ كبيرا وذا نفس عصامية تستعلي على السفاسف وصغائر الأمور وتوافهها.
في الظرف الزمني الذي كان الساسة المحليُّون يمارسون التّدافع السياسي على المستوى المحليّ كان سيدآمين معهم في الملعب السياسي مُشاركا كلاعب محترف،وفي الوقت ذاته كانت خيوط علاقاته تمتدُّ إلى فضاءات أرحب.. داخل الوطن وخارجه..من بامكو إلى داكار إلى نيامي إلى بانجول...مُخَلِّفا الأثرَ الطيب والذكر الحسن.
وبِحجْم امتداد علاقات المرحوم كان حجمُ عطائه وسخائه واستعدادِه لقضاء حوائج الناس. فهذا وافِدٌ انقطعت به الحيل وانسدت في وجهه الأبواب،وذاك مدين يشد عليه لثامه ويوغل في التخفي عن دائنيه،وتلك عجوز سوداء الذّراعين تطرق الباب تريد ما تسدُّ به رمق أطفالها اليتامى،وهؤلاء جاءوا للتوّ يبتغون التوسُّط عند هذا المسؤول أوذاك..وأولئك يتَّصلون: لقد حُلَّت المشكلة..!
رحم الله أبالطيب المتنبي إذ يقول:
وللنّـفس أخلاقٌ تدُلُّ على الفــتى ... أكان سخاءً ما أتى أم تَــساخِيـا
***
وصدق جريرٌ حين قال:

يعود الفضـــل منك على قريش وتُفرج عنهم الكُرب الشِّدادا
وما كعب ابن مامة وابن سعدى .... بـــأجود منك ياعمر الجوادا
لقد كان رحمه الله بشوشاً وخلوقا وطيّبا..أوَليس أوَّلُ ما يوضع في الميزان حسن الخُلُق؟
العارفون بـسيدآمين عن قُرب والذين مارسوا معه الفعل السياسي يُجمعون على سَعة صدره وابتعاده عن ساقط القول،فلم يؤثَر عنه أنه قال مالا ينبغي أن يُقال،وتلك في السياسة محْمَدةٌ ذاتُ أجرٍ عظيم.
ولعلّ من حُسن عاقبة المغفور له بإذن الله أن صلّى عليه جمعٌ غفير من المسلمين يؤمهم رجل من أهل الفضل ـ نحسبه كذلك والله حسيبه ـ،ففي الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه ماتَ ابْنٌ لَهُ بِقُديد أو بعُسفَانَ،فقال: ياكُرَيْبُ! انظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ،قال:فَخَرَجْتُ فإِذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ،فأَخْبَرْتُه،فقال: تَقُولُ هُم أَرْبَعُون؟قال: نعم،قال: أَخْرِجُوهُ،فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:(مَا مِن رَّجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِه أَرْبَعُونَ رَجُلاً،لاَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيه). أخرجه مسلم.
وفي الختام وعلى سبيل التمنّي أتمنى أن يُخلَّد اسمُ الرّاحل ويُحفرَ في الذّاكرة حتى تعرِف الأجيال أنْ مرّ من هنا رجلٌ وهذا الأثر.
رحم الله الفقيد وجعل روضته روضة من رياض الجنة ولطف بأهله وذويه ومعارفه من بعده وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وما كان قيس هلكه هلك واحد .... ولكنه بنيان قوم تـَهـدَّمـــا

محمّد ولد الشيــخ ولد بَـيــْدَّ Mohamedcheikh450@gmail.com