النظافة في نواكشوط بين التحديات البنيوية وفرص الإصلاح / د. محمد الشيخ ولد الكيرع | أغشوركيت

النظافة في نواكشوط بين التحديات البنيوية وفرص الإصلاح / د. محمد الشيخ ولد الكيرع

جمعة, 12/06/2026 - 22:10

أغشوركيت ( آراء ) : النظافة في نواكشوط بين التحديات البنيوية وفرص الإصلاح … قراءة ميدانية في التجربة السابقة لشركة SMTD والتجربة الحالية لشركة ARMA Holding

بقلم د. محمد الشيخ ولد الكيرع
دكتور في الرياضيات – رئيس مصلحة البرمجة السابق بالشركة الموريتانية لمعالجة النفايات SMTD

تُعدّ مشكلة النظافة في مدينة نواكشوط من أكثر التحديات الحضرية تعقيدًا في موريتانيا، ليس فقط بسبب ضعف الإمكانيات أو نقص المعدات، بل لأننا نتعامل مع مدينة أفقية مترامية الأطراف، ذات كثافة سكانية مرتفعة ونمو عمراني سريع وغير منظم في كثير من الأحيان. فالمدينة تضم أسواقًا كبيرة ومراكز تجارية وأحياءً طرفية معقدة الولوج، تنتج يوميًا كميات هائلة من النفايات المنزلية والتجارية، مما يجعل عملية الجمع والنقل والمعالجة عملية تقنية ولوجستية معقدة تحتاج إلى رؤية علمية ومتابعة دقيقة.

ورغم أن البعض يحمّل المواطن وحده مسؤولية تدهور النظافة بسبب بعض السلوكيات غير الحضارية، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك. فالمشكل الأساسي يرتبط بمدى قدرة المنظومة على الاستيعاب، والمتابعة، والتفريغ المنتظم، وتوزيع الحاويات بطريقة علمية، إضافة إلى ضعف البيانات الدقيقة المتعلقة بالكميات المنتجة في كل مقاطعة. ومن النقاط التي أُسيء فهمها لسنوات، قضية أصحاب العربات التقليدية الذين يتم اتهامهم غالبًا بأنهم سبب تراكم النفايات. والحقيقة، من خلال تجربتنا الميدانية، أنهم يشكلون عنصرًا إيجابيًا مهمًا إذا تم دمجهم في المنظومة بطريقة منظمة. فهؤلاء يقومون يوميًا بجلب النفايات من الأحياء إلى نقاط التجميع دون أي تكلفة إضافية على الشركة أو الدولة، وبالتالي فإن أي حوار جاد وتفاهم معهم يمكن أن ينقل العمل إلى مرحلة جديدة تحقق المصلحة المشتركة بين أصحاب العربات والشركة المشرفة على النظافة.

لقد عرفت مدينة نواكشوط خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2019 إلى 5 أكتوبر 2024 تجربة مهنية مهمة تحت إدارة المدير السابق لشركة SMTD السيد المصطفى ولد حمود، وهي تجربة تستحق التقييم الموضوعي بعيدًا عن الحسابات الضيقة. فقد تم خلال تلك المرحلة بناء إدارة أكثر مهنية وفعالية، تقوم على متابعة العمل ميدانيًا، وإنصاف العمال، وتحسين أوضاعهم الاجتماعية، حيث استفاد العمال من التأمين الصحي، وصندوق الضمان الاجتماعي، والراحة السنوية، وهو ما ساهم في خلق بيئة عمل أكثر استقرارًا. كما تم خلال تلك المرحلة إدخال أدوات عصرية في التسيير، من بينها تطبيقات لمتابعة وضعية الحاويات ميدانيًا، ومعرفة ما إذا تم تفريغها، وهل الفرق تعمل بالكفاءة المطلوبة، إضافة إلى متابعة حركة السيارات، والمسافات المقطوعة، ومقارنتها بالمردودية اليومية، مع الحرص على احترام مواعيد الصيانة حفاظًا على المعدات. ورغم الصعوبات ورفض بعض العاملين الالتزام الصارم بالتطبيقات الرقمية تفاديًا للمساءلة، فقد أثبتت التجربة نجاعتها بشكل واضح في تحسين الأداء والرقابة. وللأسف، تم إنهاء تلك التجربة وإقالة المدير السابق في ظروف لم تكن واضحة للرأي العام، وتسليم إدارة الملف لشخص بعيد عن مجال النظافة، وهو ما انعكس سلبًا على أداء الشركة، خصوصًا في معالجة المشاكل اليومية، مثل تراكم النفايات ومشاكل حظيرة السيارات، مما جعل مشهد المدينة يثير الكثير من الاستغراب، وعادت المكبات والنقاط السوداء للانتشار في عدة أحياء.

وفي فاتح يوليو 2025، تم منح صفقة نظافة نواكشوط لشركة ARMA Holding، وهي شركة مغربية دخلت الميدان في ظروف صعبة للغاية، حيث تسلمت مدينة تعاني من وضعية كارثية من ناحية النظافة وتراكم المكبات. ورغم أن الشركة لم تكن جاهزة بالكامل عند الانطلاقة، فإنها قامت خلال فترة قصيرة باستقدام أعداد كبيرة من المسؤولين والتقنيين، وتأجير مئات الشاحنات والجرارات، واستقدام أسطول حديث من المركبات، إضافة إلى إنشاء وحدة لصناعة الحاويات. واليوم تعتمد الشركة على ثلاثة أنواع من الحاويات: حاويات 6m³ ويبلغ عددها حوالي 450 حاوية، وحاويات 16m³ ويبلغ عددها حوالي 100 حاوية، وحاويات 770 لترًا، وهي صغيرة الحجم، ويقارب عددها 800 حاوية.

ومع أن البداية العملية لشركة ARMA شهدت حراكاً لوجستياً ملموساً تمثل في استقدام معدات حديثة وإنشاء مصنع للحاويات، إلا أن تقييم التجربة بعد هذه الأشهر يكشف عن فجوة عميقة ومقلقة بين حجم الإمكانيات التي وعدت بها الشركة وواقع الأداء اليومي المعاش. فالملاحظة الميدانية الدقيقة لا تظهر فقط 'تحسناً في بعض المقاطعات'، بل تبرز تقصيراً مزمناً في صلب العملية: المتابعة والمراقبة. إن غياب نظام رقابة صارم وفعّال يجعل انتشار الحاويات الممتلئة والمحاطة بأكوام النفايات ليس مجرد حوادث عابرة، بل سمة متكررة للمشهد، مما يعني أن عملية التفريغ المنتظم والمدروس ما تزال بعيدة عن المستوى المطلوب، وكأن الشركة لم تستوعب بعد الدروس الأساسية من التجارب السابقة.

والأخطر من ذلك، أن هذه المنظومة اللوجستية التي تُقدم نفسها كنموذج عصري، تقوم على تجاهل شبه تام للجانب الإنساني المتمثل في العمال الذين هم عماد أي نجاح. فبعد مرور كل هذه الفترة، لا يزال وضع العمال الميدانيين غامضاً، وتظل ظروفهم المعيشية والمهنية هشة، مع غياب أي بوادر حقيقية لتسوية أوضاعهم بشكل يضمن لهم الكرامة والاستقرار. هذا القصور المزدوج - ضعف الرقابة على الأداء من جهة، والتقصير في حق العمال من جهة أخرى - ليس مجرد مشكلة تقنية عابرة، بل هو مؤشر على خلل بنيوي في فلسفة التسيير. إن شركة ARMA مدعوة اليوم، ليس فقط لإثبات قدرتها على جمع النفايات، بل لتقديم دليل ملموس على أنها تمتلك رؤية إصلاحية حقيقية، تقوم على الشفافية، واحترام العامل، والصرامة في المتابعة قبل أي شيء آخر.

ومن باب الإنصاف، يجب الاعتراف بأن الدولة الموريتانية مطالبة بمنح شركة ARMA الوقت الكافي لتثبيت تجربتها، لأن الشركة لم تستلم مدينة في وضعية طبيعية، بل واجهت تراكمات كبيرة ومكبات منتشرة في مختلف المقاطعات. ورغم ذلك الوضعية لم تتحسن كما كنا نرحوا.

إن الحل الحقيقي لمشكلة النظافة في نواكشوط لا يكمن فقط في زيادة عدد السيارات أو الحاويات، بل في بناء منظومة علمية متكاملة تعتمد على:

· معرفة دقيقة للكميات المنتجة من النفايات في كل مقاطعة حسب عدد السكان والكثافة السكانية.
· توزيع الحاويات بطريقة مدروسة.
· الرقمنة والتتبع الآني للحاويات والسيارات والعمال.
· إدماج أصحاب العربات التقليدية ضمن المنظومة.
· تحسين ظروف العمال وتكوينهم.
· اعتماد الشفافية في التسيير والمتابعة والتقييم.

وبصفتي مختصًا في الرياضيات ورئيسًا سابقًا لمصلحة البرمجة، ومن خلال تجربتي الميدانية داخل قطاع النظافة، أؤمن بأن استخدام البيانات، ، والتخطيط العلمي، يمكن أن يحول ملف النظافة من عبء يومي إلى نموذج حضري ناجح. إن نواكشوط تستحق منظومة نظافة عصرية، شفافة، وإنسانية، تحفظ كرامة العمال، وتحترم المواطن، وتعتمد على العلم والخبرة والتكنولوجيا الحديثة، بدل الارتجال وردود الفعل المؤقتة.